في "لا أحد ينام في الإسكندرية" تتحول المدينة إلى بوصلة للروح ومرآة لعصر مضطرب، حيث تتداخل أزمنة البحر والريح مع خطوات العابرين على أرصفتها. ليست حكاية أشخاص قدر ما هي تجربة عيش كاملة لمدينة تُكتب بالحواس: هدير الأمواج، صرير الترام، رائحة الملح الممزوجة بقهوة المقاهي القديمة، ولمعان الأضواء المتقطعة فوق الواجهات العتيقة. هنا يصبح المكان بطلاً يتسع لكل اللغات واللهجات، ويُعيد تشكيل معنى الانتماء في لحظة تاريخية يشتد فيها السؤال عن الهوية والبيت والذاكرة.
تمنحك الرواية مساحة أن تسير بلا استعجال في الأزقة التي تعرف خطواتك قبل أن تصل، وأن تصغي إلى طبقات من الأصوات: نداءات الباعة، همس البحارة، صخب الميناء، وحكايات العابرين الذين يصنعون من أيامهم فسيفساء إنسانية نابضة. ينساب السرد في مسارات واسعة، يتوقف عند التفاصيل الصغيرة التي تبني حياة كاملة: مفتاح يلمع في جيب قديم، صورة معلقة فوق جدار مطل على البحر، بطاقة سفر مطوية في درج خشبي، وكلمة عابرة قادرة أن تُوقظ حنين مدينة بأكملها.
لا تُصوِّر الرواية المدينة كخلفية للأحداث، بل ككائن حي ينام ويصحو، يتهجى أسماء سكانه ويحتفظ بآثارهم على حجارة أرصفتها. تحضر طبقاتها الثقافية والاجتماعية في كل مشهد: من المقاهي المزدحمة بالحوارات إلى دور السينما المعلقة في ذاكرة الجيل، من شرفات تطل على مراكب بعيدة إلى قاعات انتظار تُراكم الأمل والقلق معاً. تتجاور فيها التقاليد والحداثة، فتولد سحابة من المعاني حول الحب والصداقة والعمل والرحيل والعودة، كأن المدينة تتعلم كل يوم لغة جديدة لكي تتسع للجميع.
يتكئ السرد على قوة الصورة؛ يلتقط اللحظة المراوغة ويُثبّتها بحساسية شعرية دون أن يفقد دقته الواقعية. تتداخل الحواس: ترى ما يُقال وتسمع ما يُرى، في كتابة مشبعة بالتفاصيل التي تُغني التجربة دون أن تُثقلها. ومع كل صفحة، يتجدد وقع السؤال: كيف تتحول المدن إلى ذاكرة ونحن نمشي فيها؟ وكيف نصير جزءاً من حكاياتها دون أن ننتبه؟
خلفية الرواية تاريخية، لكنها لا تُقدّم درساً في التاريخ بقدر ما تُضيء أثر الزمن على الإنسان. تتجلى أيام الحرب العالمية الثانية كطيف يعيد رسم الإيقاع اليومي: انقطاع الخبز أحياناً، تغير مواعيد الميناء، نظرات مترقبة نحو الأفق، ووعي جديد بمعنى الخسارة والرجاء. هذا الزمن لا يُختزل في وقائع كبرى، بل ينعكس في تفاصيل العيش: في طاولة عشاء تتسع فجأة لوجوه جديدة، في ضحكة تتأخر ثم تأتي أقوى، وفي قدرة الناس على اختراع طرق بسيطة للتماسك. ومن خلال هذه الطبقات، تتشكل شهادة إنسانية عن صلابة الروح في مواجهة العتمة.
تلتقي في الرواية سرديات متعددة تصنع بانوراما واسعة للمدينة: عمال المرفأ الذين يقيسون الوقت بنبض السفن، حرفيون يحرسون أسرار المهنة، طلاب يطاردون أحلامهم على رؤوس الشوارع، نساء ينسجن من اليومي معنى للحياة، ومهاجرون يحملون أسماءً بلغات مختلفة ويجدون في الإسكندرية قِبلة مؤقتة أو بيتاً نهائياً. كل صوت يضيف طبقة إلى المعنى، وكل تفصيل يفتح باباً نحو أسئلة أكبر حول العدالة والأمل والعبور.
لغة الرواية متينة وشفافة في آن: قادرة على الإمساك بلمعان المشهد من دون أن تفقد عمقه، وعلى بناء إيقاع يراوح بين الهدوء والتوتر، بما يتيح للقارئ أن يتنقل بين الصور بسلاسة. لا تعتمد على المفاجآت المفتعلة، بل على التراكم الذكي للّحظات الصغيرة التي تصنع أثرها البعيد. هذا البناء يجعل القراءة تجربة حية؛ تعود إلى المقاطع لتعيد تذوقها، وتجد في كل عودة ظلالاً جديدة ومعاني تتسع.
ستجذب هذه الرواية قرّاء الأدب التاريخي وعشاق حكايات المدن وكل من يفتنهم المزج بين الواقعي والشاعري. وهي تلائم من يبحث عن عمل يضع الإنسان في قلب المشهد، ويمنح المكان حقَّه في أن يكون راويًا شريكًا لا مجرد مسرح. ستخرج منها وشيئٌ من ملح البحر في ذاكرتك، وإحساس بأن الأرصفة القديمة ما زالت تحفظ خطوات من مرّوا وتنتظر خطاك أنت أيضاً.