يُعد عبد الحميد أحمد أبو سليمان من أبرز المفكرين المسلمين المعاصرين الذين أسهموا في تجديد الفكر الإسلامي، وربط القيم الإسلامية بالواقع الاجتماعي والسياسي الحديث. عُرف بمشروعه الفكري الذي ركّز على إصلاح العقل المسلم، وتجاوز الجمود الفكري، وبناء وعي حضاري قادر على التعامل مع تحديات العصر دون التفريط في الثوابت الإسلامية.
وُلد عبد الحميد أحمد أبو سليمان عام 1936 في المملكة العربية السعودية، ونشأ في بيئة علمية وثقافية ساعدته على الاهتمام المبكر بالعلوم الشرعية والفكر الإسلامي. تلقّى تعليمه الجامعي في مجال العلوم السياسية، ثم واصل دراساته العليا في الولايات المتحدة، حيث حصل على درجة الدكتوراه، وهو ما أتاح له الاطلاع العميق على الفكر الغربي ومناهجه، ومقارنته بالرؤية الإسلامية للحياة والمجتمع.
يرتكز مشروع أبو سليمان الفكري على مفهوم أزمة العقل المسلم، حيث يرى أن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية ليست ناتجة عن ضعف في النصوص أو القيم، بل عن خلل في طريقة التفكير والفهم والتطبيق. ومن هنا دعا إلى إعادة بناء المناهج التعليمية، وتجديد الخطاب الديني، وتفعيل مقاصد الشريعة بدل الاكتفاء بالاجتهادات الجزئية أو الشكلية.
كان عبد الحميد أبو سليمان من الرواد في مجال أسلمة المعرفة، وهو المشروع الذي يهدف إلى دمج القيم الإسلامية بالمناهج والعلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، بما يضمن إنتاج معرفة متوازنة تجمع بين الإيمان والعقل، والأصالة والمعاصرة. وقد لعب دورًا مهمًا في تأسيس وتطوير المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)، الذي أصبح منصة فكرية عالمية للنقاش والبحث في قضايا الإصلاح والتجديد.
من أبرز أفكاره التأكيد على الحرية والمسؤولية كركيزتين أساسيتين في بناء المجتمع الإسلامي، حيث يرى أن غياب الحرية الفكرية والسياسية يؤدي إلى الاستبداد والتخلف، بينما يدعو الإسلام إلى تحرير الإنسان وتمكينه من أداء دوره الحضاري بوعي ومسؤولية. كما شدد على أهمية الشورى، والعدل، واحترام كرامة الإنسان في أي مشروع نهضوي.
تميّز أسلوب عبد الحميد أبو سليمان بالوضوح والمنهجية، حيث جمع بين التحليل الأكاديمي والطرح الفكري العملي، مبتعدًا عن الخطاب الوعظي التقليدي. وكان حريصًا على مخاطبة النخب الفكرية وصناع القرار، معتبرًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إصلاح الفكر والمؤسسات معًا، وليس من الشعارات أو الحلول السطحية.
ألّف عبد الحميد أحمد أبو سليمان عددًا من الكتب المؤثرة، من أشهرها «أزمة العقل المسلم»، و**«منهجية المعرفة في الإسلام»، و«العنف في الإسلام بين المبدأ والتطبيق»**، وهي أعمال ناقشت قضايا جوهرية مثل التخلف الحضاري، وسوء فهم النص الديني، والعلاقة بين السلطة والفكر، وقد لاقت اهتمامًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والفكرية.
توفي عبد الحميد أحمد أبو سليمان عام 2021، بعد مسيرة فكرية طويلة ترك خلالها إرثًا معرفيًا مهمًا، لا يزال مرجعًا للباحثين والمهتمين بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر. ويُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أعلام الفكر الإصلاحي الإسلامي، الذين سعوا بجدية إلى بناء وعي حضاري متوازن يجمع بين قيم الإسلام ومتطلبات العصر الحديث.
قراءة تحليلية لكتاب أزمة الإرادة والوجدان المسلم؛ تفكك جذور العجز الأخلاقي والذهني، وتقترح مسارات للنهضة، بإطار فكري رصي...